ابن أبي العز الحنفي
52
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
جَذَبَهُ بِهِ الِاتِّحَادِيُّ إِلَيْهِ ، وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِ إِنَّهُ مَعَهُ ، لَوْ سَلَكَ الْأَلْفَاظَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي لَا إِجْمَالَ فِيهَا كَانَ أَحَقَّ ، مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَامَ حَوْلَهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبًا مِنَّا لَنَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ ، فَإِنَّ عَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ ، فَأَيْنَ قَالَ الرَّسُولُ هَذَا تَوْحِيدُ الْعَامَّةِ ، وَهَذَا تَوْحِيدُ الْخَاصَّةِ ، وَهَذَا تَوْحِيدُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ ؟ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ؟ أو أشار إلى هَذِهِ النُّقُولِ وَالْعُقُولُ [ حَاضِرَةٌ ] ( 1 ) . فَهَذَا كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ الرَّسُولِ ، وَهَذَا كَلَامُ خَيْرِ الْقُرُونِ بَعْدَ الرَّسُولِ ، وَسَادَاتِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، هَلْ جَاءَ ذِكْرُ الْفَنَاءِ ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ ؟ وَإِنَّمَا حَصَلَ هَذَا مِنْ زِيَادَةِ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ ، الْمُشْبِهِ لِغُلُوِّ الْخَوَارِجِ ، بَلْ لِغُلُوِّ النَّصَارَى فِي دِينِهِمْ . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ - تَعَالَى - الْغُلُوَّ فِي الدِّينِ وَنَهَى عَنْهُ ، فَقَالَ : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } ( 2 ) . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا تُشَدِّدُوا فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ، رَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ ) . اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، لَا فِي ذَاتِهِ ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . وَلَكِنَّ لَفْظَ " التَّشْبِيهِ " قَدْ صَارَ فِي كَلَامِ النَّاسِ لَفْظًا مُجْمَلًا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ ، وَهُوَ مَا نَفَاهُ الْقُرْآنُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ ، مِنْ أَنَّ
--> ( 1 ) في الأصل : ( خطرة ) والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن . ( 2 ) سورة المائدة آية : 77 .